ابن بسام
46
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ريّه ، ثم تصرّف في وكالة صبح أمّ هشام ، فاضطلع بكلّ ما قلّد ، استهوى هذه المرأة بحسن الخدمة - وهي الغالبة على الحكم - فأزلفته ، وولي الشّرطة والسّكة والمواريث ؛ والسكة يومئذ أعلى الخطط في الإفادة . وقرن له بهذا كلّه القضاء بإشبيلية ، فعلت حاله وعرض جاهه ، وعمر بابه في حياة الحكم ، وهمّته ترتمي به وراء ما يناله من الدنيا أبعد مرمى ، وهو في كل ذلك يغدو إلى باب جعفر ويروح ، ويختص به ويتحقّق نصيحته ، إلى أن أحظاه الجدّ وساعده القضاء ، فأسقط جعفرا . فلمّا انفرد بشأنه وتمكّن من سلطانه ، / توثّق لنفسه وحصّن حاله ، ورمى إلى الغرض الأقصى من ضبط الملك والحجر عليه والاستبداد دونه . وامتثل رسم المستغلبين على سلطان ولد العبّاس بالمشرق من أمراء الدّيلم في عصره ، فنال بغيته ، وتهنّأ معيشته ، وأورثه عقبه بعده ، من غير اقتدار عليه بجند خاصّ ولا صيال بعشيرة ، ولا مكاثرة بمال ولا عدّة ، بل رمى الدولة من كنانتها ، وعدا عليها بأعضادها ، وانتضلها بمشاقصها ، وأنفق على ضبطها أموالها وعددها ، حتى حوّلها إليه ، وسبكها في قالبه ، وسلخ رجالها برجاله ، وعفّى رسومها بما أوضح من رسومه ، وأسقط رجال الحكم من سائر الطبقات : الكتّاب والعمّال والقضاة والحكّام وأصحاب السيوف والأقلام ، ومزّقهم ، وأقام بإزائهم من تخريجه واصطناعه رجالا سدّوا مكانهم ، ومحوا ذكرهم ، أعانوه على أمره . وأوّل [ 1 ] عروة فضّ ابن أبي عامر من عرى الملك جماعة الصّقلب ، استخرج منهم بأسباب المصادرة أموالا جمّة استأثر بأكثرها ، وتتبّع لذلك كتّابهم وأسبابهم وقتا بعد آخر ، وتقسّمتهم أيدي القدر نفيا وقتلا ، صبرا وغلبة ، سرا وعلانية ، حتى هلكوا عن آخرهم في أسرع مدّة . واختلفت مقاتلهم بحسب استيفائهم مدد أعمارهم ، فلم يصحّ لي تاريخ ذلك على حقيقته . فكانت تلك الطائفة أوّل من ظهر انتقام اللّه تعالى بابن أبي عامر منها ؛ فكانوا جبّارين قاسطين في بلاده ، متمرّدين على عباده ، فأرسله بقدرته على هذا النّمط من خلقه فأبادهم ، ونجا أهل السلامة من سورته ، وتلك عادته تعالى في من نكب عن سبيله .
--> [ 1 ] قارن بابن عذاري 2 : 259 ، 262 - 264 .